رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
625
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
عليك - وقد ألّفت كتابك هذا لتبيين الحقّ وتدعو إليه - أن تؤيّد الدعوى بحجّة ، فإن لم يكن فاقتناع ، فإن لم يكن فترك الاحتجاج بما لم يمكنك أن تبيّن الحجّة أنّه حجّة لك دون خصومك ؛ فإنّ تلاوة القرآن وادّعاء تأويله بلا برهان أمر لا يعجز عنه أحد ، وقد ادّعى خصومنا وخصومك أنّ قول اللَّه عزَّ وجلَّ : « كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ » « 1 » الآية ، هم جميع علماء الامّة ، وسبيل علماء المرجئة سبيل واحد ، وأنّ الإجماع لا يتمّ والحجّة لا تثبت بعلم العترة ، فهل بينك وبينها فصل ؟ وهل تقنع منها بما ادّعت أو تسألها البرهان ؟ فإن قال : بل اسألها البرهان . قيل له : فهات برهانك أوّلًا على أنّ المعنيّ بهذه الآية التي تلوتها هم العترة ، وأنّ العترة هم الذرّيّة ، وأنّ الذرّيّة هم ولد الحسن والحسين دون غيرهم من ولد جعفر وغيرهم ممّن امّهم فاطميّات . ثمّ قال : ويقال للمؤتمّة : ما دليلكم على إيجاب الإمامة لواحد دون الجميع وخطرها على الجميع ؟ فإن اعتلّوا بالوراثة والوصيّة ، قيل لهم : هذه المغيريّة « 2 » تدّعي الإمامة لولد الحسن ، ثمّ في بطون من ولد الحسن بن الحسن في كلّ عصر وزمان بالوراثة والوصيّة من أبيه ، وخالفوكم فيما تدّعون كما خالفتم غيركم فيما يدّعي . فأقول - وباللَّه التوفيق - : الدليل على أنّ الإمامة لا يكون إلّالواحد أنّ الإمام لا يكون إلّا الأفضل ، فالأفضل يكون على وجهين : إمّا أن يكون أفضل من الجميع ، أو أفضل من كلّ واحد من الجميع ، وكيف كانت القصّة فليس يكون الأفضل إلّاواحداً ؛ لأنّه من المحال أن يكون أفضل من جميع الامّة أو من كلّ واحد وفي الامّة من هو أفضل منه ، فلمّا لم يمكن هذا وصحّ بدليل يعترف الزيديّة بصحّته أنّ الإمام لا يكون إلّاالأفضل ، صَحَّ أنّها لا تكون إلّالواحد في كلّ عصر . والفصل بيننا وبين المغيريّة سهل واضح قريب ، والمنّة للَّه ، وهو أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله دلّ على الحسن والحسين دلالة بيّنة ، وبان بهما من سائر العترة بما
--> ( 1 ) . آل عمران ( 3 ) : 110 . ( 2 ) . المغيريّة هم أصحاب المغيرة بن سعيد العجلي الذي ظهر بظاهر الكوفة في إمارة خالد بن عبداللَّه القسري ، فظفربه وأحرقه وأحرق أصحابه سنة 119 ، كما في تاريخ الطبري . وقد تظافرت الروايات بكونه كذّاباً ، وروي الكشّي روايات كثيرة في ذمّه . وهو وأصحابه أنكروا إمامة أبي عبداللَّه جعفر بن محمّد عليهما السلام ، وقالوا بإمامة محمّد بن عبداللَّه بن الحسن ، فلمّا قتل صاروا لا إمام لهم ولا وصيّ ، ولا يثبتون لأحد إمامة بعد .